السيد محمد تقي المدرسي

192

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

وقال السبزواري عن هذا القول الثالث : ولم يقل أحد من الحكماء بأصالتهما معاً ، إذ لو كانا أصليين ، لزم أن يكون كل شيء شيئين متباينين ، ولزم التركيب في الصادر الأول ( أي العقل الذي صدر حسب رأيهم عن الخالق قبل كل شيء ) ولزم أن لا يكون الوجود نفس تحقق الماهية وكونها ، وغير ذلك من التوالي الفاسدة « 1 » . ولكنه أشار في هامش كتابه إلى أن بعض من عاصره من الذين لم يعتبروا القواعد الحكمية حسب تعبيره ، قد قال بأصالة الوجود والماهية معاً ويقصد به الشيخ الأحسائي « 2 » . وبجدر بنا أن نذكر القارئ بما سبق : أن حقيقة هذا الجدل تعود إلى إنكار تحقق الأشياء التي نشهدها ، وأن الوجود الحقيقي إنما هو في عالم المثال ؛ لذلك تجد شيخ الإشراق - تبعاً لشيخه أفلاطون - لا يرى وجوداً حقيقياً للأشياء . أما صدر المتألهين فإنه - بالرغم من اعترافه بوجود الأشياء - يرى بالتالي عدمية الممكنات . ولا يعرف محصلًا للنزاع بين أصالة الوجود وأصالة الماهية ، إلا إذا فسرنا كلامهم بهذا التفسير ، أما المتأخرون ، فلم أجد تفسيراً واضحاً لهم لهذا النزاع ، مما يجعلني أتهم الكثير منهم على اتباع الأولين في نزاعاتهم دون معرفة واضحة بحقيقتها . وقد سبق الحديث عن أن الوجدان يشهد بحقانية الأشياء وأن ماهياتها الخارجية ليست عدمية كما يُقال . يبقى أن نقول هنا : إن الأدلة التي ساقها المحقق السبزواري على أن خطأ القول بأصالة الوجود والماهية معاً لم تكن براهين سليمة ، إلا إذا اعترفنا سلفاً بمبادئ الفلسفة ، مثل صدور الأشياء عن الله وما أشبه ، مما هي خاطئة عندنا .

--> ( 1 ) ( ) المصدر ، ص 1 . ( 2 ) ( ) المصدر .